ابن أبي الحديد
134
شرح نهج البلاغة
أن آكل معه حتى إذا قضى من أكله وحاجته وطرا وثب إلى طين ملقى في الدار ، فغسل به يده ، ثم صاح : يا جارية ، اسقيني ماء ، فأتته بماء ، فشربه ومسح فضله على وجهه ، ثم قال : الحمد لله ، ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام ، متى نؤدي شكر هذه النعم ! ثم قال : علي بردائي ، فأتته برداء عدني ( 1 ) فارتدى به على تلك الشملة . قال الأصمعي : فتجافيت عنه استقباحا لزيه ، فلما دخل المسجد صلى ركعتين ، ثم مشى إلى القوم ، فلم تبق حبوة إلا حلت إعظاما له ، ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الاحياء في ماله ثم انصرف ( 2 ) . قال أبو العباس : وحدثني أبو عثمان المازني ، عن أبي عبيدة ، قال : لما أتى زياد بن عمرو المربد في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي ، وجاء زياد بن عمرو بن الأشرف العتكي ليثأر به من بني تميم ، صف أصحابه فجعل في الميمنة بكر بن وائل ، وفي الميسرة عبد القيس ، وهم لكيز بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ، وكان زياد بن عمرو العتكي في القلب ، فبلغ ذلك الأحنف بن قيس ، فقال : هذا غلام حدث شأنه الشهرة ، وليس يبالي أين قذف بنفسه ! فندب أصحابه ، فجاءه حارثة بن بدر الغداني ، وقد اجتمعت بنو تميم ، فلما أتى ( 3 ) قال : قوموا إلى سيدكم ، ثم أجلسه فناظره ، فجعلوا سعدا والرباب في القلب ورئيسهم عبس بن طلق الطعان المعروف بأخي كهمس ، وهو أحد بنى صريم بن يربوع ، فكانوا بحذاء زياد بن عمرو ومن معه من الأزد ، وجعل حارثة بن بدر الغداني ، في بنى حنظلة بحذاء بكر بن وائل ، وجعل عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس ، فذلك حيث يقول حارثة بن بدر للأحنف : سيكفيك عبس أخو كهمس * مقارعة الأزد في المربد ( 4 ) ويكفيك عمرو على رسلها * لكيز بن أفصى وما عددوا
--> ( 1 ) عدني : منسوب إلى عدن أبين ، وهي جزيرة باليمن ، تنسب إليها الثياب العدنية . ( 2 ) الكامل 1 : 139 . ( 3 ) الكامل : " طلع " . ( 4 ) في هذا البيت إقواء .